لم يكن يدور في خلد أي من الجنود المحاصرين في خنادق باردة يقتلهم الجوع والمرض خلال الحرب العالمية الأولى، أن أحفادهم بعد أكثر من 100 عام سيواجهون تهديداً أكبر بكثير، ولكن هذه المرة دون مدافع ولا دبابات ولا قصف جوي، وإنما باستعمال حواسيب وهواتف ذكية!
اختراق لثلاجات طعام وبلاغات كاذبة لقنابل في طائرات، هذه كانت نبذة عن عناوين الأخبار خلال الفترة الماضية، والتي أربكت أوروبا وجعلتها تضرب أخماساً بأسداس! فهل هذه الأفعال هي من ضمن ما نسميه في عصرنا الحالي "الحرب الهجينة"؟
🔴 طائرة تابعة لخطوط ريان إير تهبط اضطرارياً في بلوفديف البلغارية بعد تلقيها تهديداً بوجود قنبلة على متنها 📌 هذه الطائرة ليست الوحيدة التي تلقت التهديد، وإنما عدد من الطائرات في أوروبا تلقته كذلك، الأمر الذي أحدث ارتباكاً في حركة النقل الجوي https://t.co/Rczg8ZaRtN
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) November 5, 2026
ما هي الحرب الهجينة؟
الحرب في مفهومها قديمة قدم البشرية، إذ لطالما تقاتل الناس فيما بينهم لأسباب تبدو منطقية حتى في مقاييس عصرنا الحالي، لا بل وحتى أن البشر حتى يومنا هذا يتقاتلون عليها، وهي الموارد، الأراضي، الماء، والغذاء.
وعند الحديث عن الأسلحة فقد كانت مكونة مما يحيط بالإنسان، مثل الحجارة والعصي وغيرها من الأدوات التي حولها الإنسان إلى أدوات إيذاء وقتل.
ومع ظهور الزراعة واستقرار الإنسان، ظهرت القرى التي تحتوي على وسائل ردع بدائية تفيد في تقييد حركة الخصم أكثر من الهجوم في الأراضي المفتوحة، وتركز قوة الدفاع على مكان واحد فقط.
ومع نشوء الحضارات في بلاد الرافدين ومصر والصين والهند، تطورت الحرب من صراعات محلية بين مجموعات صغيرة إلى حملات عسكرية تقودها الدول والإمبراطوريات.
وأصبحت الجيوش أكثر تنظيماً، وظهرت الأسلحة البرونزية ثم الحديدية، إلى جانب العربات الحربية والحصارات والأساطيل البحرية.
ومع استمرار تقدم البشرية، تطورت أدوات القتال والأسلحة، وتطورت كذلك قدرتها على الفتك بالبشر، وتحويل حياتهم إلى مآس، من قتل وتعذيب إلى تهجير ونزوح وفقر.
وهنا تأتي حرب العصر الحالي، الحرب الهجينة، وهي حرب لا تعتمد بشكل مباشر على الجيوش الجرارة والاجتياحات والعمليات البرية والجوية والبحرية، بل على خليط من العمليات العسكرية المحدودة، الحروب بالوكالة، الحرب الإعلامية والاقتصادية، والهجمات السيبرانية.
تهدف الحرب الهجينة إلى إضعاف الدولة التي تتعرض للهجوم، سواء من خلال تخريب داخلي لبنيتها التحتية، أو نظامها المالي، أو حتى كسر الروح المعنوية للشعب، الأمر الذي يؤدي بالنهاية إلى إخضاعها أو حتى إضعافها تمهيداً لعملية عسكرية تقليدية.
📌بعد فرنسا.. هجوم سيبراني يحول ثلاجات أوروبا لأفران! 1/3 https://t.co/cUg7JAkeKS
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) November 2, 2026
من الدبابات إلى الثلاجات والبلاغات.. كيف تغيرت قواعد اللعبة؟
أول ما يتبادر إلى ذهنك عند ذكر الحرب هو الدبابات والطائرات والجنود والقصف، ولكن مع وجود الحرب الهجينة فإن المعادلة تغيرت، إذ أن اختراقاً واحداً لثلاجات كفيل بالقضاء على مخزون منطقة كاملة من الطعام، الأمر الذي يعني مجاعة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع حصار أو قطع للطرق والإمدادات.
ولعل أبرز من اتبع هذا الأسلوب في العصر الحديث هي روسيا، إذا أن عدداً من الحوادث التي حصلت وكانت روسيا خلفها تبين لنا تفوقها في هذا المجال، سواء سيبرانياً أو معلوماتياً.
حيث ارتبط اسمها بعدد من أبرز الأمثلة الحديثة على الحرب الهجينة، خصوصاً في إستونيا عام 2007، وجورجيا عام 2008، وأوكرانيا منذ عام 2014.
ففي إستونيا، وتزامناً مع تصاعد أزمة سياسية بين البلدين على خلفية نقل نصب الجندي السوفيتي، تم شن هجمات سيبرانية واسعة استهدفت مواقع حكومية ومصارف ووسائل إعلام، من دون إثبات قاطع لمسؤولية الدولة الروسية المباشرة، وفي جورجيا عام 2008، تزامنت العمليات العسكرية الروسية مع هجمات إلكترونية عطّلت مواقع حكومية وإعلامية، في واحدة من أبرز الحالات التي أظهرت تداخل الحرب الرقمية مع المواجهة العسكرية التقليدية.
أما في أوكرانيا، فبرزت الحرب الهجينة بصورة أوضح عام 2014، عندما سيطرت قوات روسية غير معلنة الهوية على مواقع استراتيجية في شبه جزيرة القرم، بالتزامن مع عمليات سياسية وإعلامية انتهت بضم روسيا المنطقة، وهو ما رفضته أوكرانيا ومعظم المجتمع الدولي.
ومع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في فبراير 2022، اتسع نطاق هذه الاستراتيجية ليشمل الهجمات السيبرانية والدعاية الإعلامية، واستهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات، إلى جانب العمليات العسكرية التقليدية.
وخلال شهري نوفمبر وأكتوبر، شهدت عدد من المدن الأوروبية هجمات استهدفت ثلاجات الطعام في عدد من المتاجر الكبرى، لتصل درجة الحرارة في بعضها إلى 50 درجة، مما تسبب في تلف المواد الغذائية، الهجوم الذي أعلنت مسؤوليتها عنه مجموعات قرصنة موالية لروسيا بحسب ما أوردت وكالة الأناضول.
وخلال نوفمبر الجاري، تسببت بلاغات كاذبة عن وجود قنابل على متن عدة طائرات في ارباك حركة النقل الجوي بأوروبا، ولكن الفكرة أن هذه البلاغات جاءت متزامنة، وتمت عن طريق رسائل بريد إلكتروني مجهولة المصدر، الأمر الذي يضمها إلى قائمة الحرب الهجينة، والتي كما قلنا سابقاً أن روسيا تبرع بها، وخاصة أن قائمة الدول الأوروبية التي تأثرت بهذه البلاغات داعمة لكييف في حربها مع موسكو.
هل الحرب الهجينة هي الخيار الأقل تكلفة؟
بالطبع تعتبر الحرب الهجينة أقل تكلفة من الحرب التقليدية، ولكن الأمر يتعدى الجانب الاقتصادي في أغلب الأحيان، إذ تتجه الدول إلى الحرب الهجينة لأنها تتيح لها تحقيق أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية بأقل تكلفة ومخاطر مقارنة بالحرب التقليدية، حيث لم تعد المواجهة العسكرية المباشرة وفرق المشاة والقوات الخاصة هي الخيار الوحيد لبسط النفوذ أو إضعاف العدو، وإنما تحتاج إلى عقول تؤدي معظم العمل من داخل المكاتب ودون التعرض للمخاطر.
وهناك أيضاً الجانب الرسمي، إذ أن إعلان الحرب بشكل رسمي سيتسبب للدولة بمشاكل على المستوى المحلي أو الدولي، إذ أن قرار الحرب دول عدة يحتاج إلى موافقة مجلس الشعب وليس كلمة شخص واحد.
📌عاجل: هبوط 3 طائرات اضطرارياً في بلغاريا بسبب تهديدات بوجود قنابل https://t.co/jofvVL2LLc
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) November 5, 2026
وعلى المستوى الدولي، فإن الدولة ستدخل في مباحثات مع المجتمع الدولي والأممي لبيان أسباب شنها الحرب والحصول على الدعم وما إلى ذلك من الإجراءات الطويلة.
ولكن وعلى الجانب الآخر، يمكن للدول استخدام الهجمات السيبرانية والحرب الإعلامية والعقوبات الاقتصادية والجماعات المسلحة لإرباك مؤسسات الدولة المستهدفة، واستنزاف مواردها، والتأثير في قراراتها السياسية، دون الحاجة إلى إعلان الحرب رسمياً أو حتى إعلان مسؤوليتها، ما يجعل تحديد طبيعة التهديد أو اتخاذ قرار مناسب للرد عملية صعبة.
ومن الناحية التدميرية، إذا كنت تضع نفسك مكان الطرف المعتدي، فعليك أن تسأل نفسك سؤالاً بسيطاً:
أيهما أقل تكلفة؟
- استئجار أحد المخترقين المحترفين لتعطيل نظام صومعة حبوب أو محطة تنقية مياه أو كهرباء.
- شراء الذخيرة وتجهيز طائرة نفاثة وتنفيذ ضربات عسكرية جوية، ومن الممكن أن يسقط عدوك الطائرة وتفقد مليارات الدولارات بالإضافة إلى طيارك الذي سيقتل أو يأسر، وتحقيقات المجتمع الدولي حول ما فعلت.
إذا اخترت الجواب الأول، فقد وصلت إلى النتيجة ذاتها التي وصلت إليها الدول التي تتبنى أسلوب الحرب الهجينة.
هل هناك سلاح ردع؟
في واقع الحال، الجواب يعتمد على مدى تفوق الدولة في فهم الحرب الهجينة ومقدار استعدادها لها، بمعنى أن دولة متفوقةً في المجال السيبراني، وتعلم كيف تتم عمليات الاختراق وكيف يمكن إغلاق الثغرات، من الصعب أن تتعرض لهذا الموضوع، ولكن بالطبع بالأمر ليس مستحيلاً، فليس هناك نظام كامل وعصي بشكل مثالي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي